الشيخ علي المشكيني
41
التعليقة الإستدلالية على العروة الوثقى
هذا فقد حصر اللَّه أمره في ثلاث : الاعتقاد باللَّه خاصّة ، والصلاة ، والزكاة . وحيث إنّ هنا عقائد واجبةً أخرى وأعمالًا بدنيةً كثيرةً ، فالحصر إضافيّ ، والمعنى : أنّ اللَّه أمرهم بتلك الأمور في مقابل اعتقادهم بالوهيّة عيسى وقداسة الأصنام ، وفي مقابل خضوعهم وسجودهم لُاولئك ، وفي مقابل إنفاقاتهم وقرابينهم للأصنام . والظاهر أنّ المراد هذا المعنى . وبهذا يتّضح الجواب عن الاستدلال بها لأخذ قصد القربة في كلّ أمرٍ من أوامر اللَّه ، فإنّه لو فرضت الدلالة فإنّما تختصّ بالصلاة والزكاة ، ولا إشكال فيها . وفي مصباح الفقيه : أنّه لو سلّمنا كون مورد الآية الفروع فاللازم جعل اللام في « ليعبدوا » للغاية والمعنى : أنّ اللَّه لم يأمرهم بما أمرهم من التعبّديات والتوصّليات إلّا لحصول العبادة على وجه الإخلاص ومرتبتها الكاملة ، وهذا لا ينافي كون الأوامر بعضها تعبّدياً وبعضها توصّلياً . « 1 » رابعها : قوله تعالى : « وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى » « 2 » . فإنّ اللَّه قد سمّى عمل العبد له نعمةً عنده ، يجزيه في مقابلها في الدنيا والآخرة . ثمّ أخبر سبحانه بأنّه ليس نعمة من العبد يستحقّ بها الجزاء والمثوبة إلّاما عمل به ابتغاء وجهه ؛ فكلّ عملٍ بلا قصد التقرّب لا ثواب له ، ولازمه أنّه لا صحّة له ، فيكشف عن دَخْل قصد الوجه فيه . وفيه : أنّ الآية الشريفة لاشتمالها على جملتين : المستثناة والمستثنى منها ، تدلّ على حكمين كلّيّين : أحدهما : أنّه إذا عمل العبد بقصد الوجه استحقّ المثوبة . والآخر : أنّه إذا لم يعمل بقصد الوجه لم يستحقّ شيئاً . والجملتان صادقتان في التوصّليّ والتعبّديّ كليهما ، فهما أعمّ من كلٍّ منهما . وبعبارةٍ أخرى : مفاد الآية : أنّ اللَّه يثيب على العمل التعبّديّ دون غيره ، وأمّا أنّه بماذا يتحقّق التعبّديّ فلا تدلّ عليه . خامسها : قوله تعالى : « أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ » « 3 » . وفيه : أنّه لو أريد به غرض المستدلّ ، فاللازم حمله على الأمر المولوي ، وكونه في
--> ( 1 ) . مصباح الفقيه ، ج 2 ، ص 138 نقلًا بالمعنى . ( 2 ) . الليل ( 92 ) : 19 و 20 . ( 3 ) . محمّد صلى الله عليه وآله ( 47 ) : 33 .